03.27.05
الحقني يا عم بحر 2
يا سلااااام.. الإفطار وحيداً على البحر، مشاهد متقطعة لصيادين هواة اعتلوا المصدات البحرية في هدوء ودعة، محبون يجدون سلواهم في سويعات مسروقة من كل شيء حيث الوسعة على البحر، معطيين ظهورهم لكل الضيق المنتشر حتى حدودنا الجنوبية، مراهقون هاربون من المدارس لمتابعة بطولاتهم الكروية على الشاطيء، والتي لا يفسدها عليهم شيء، حتى وقوع الكرة الوحيدة بين اللحظة والأخري بين المصدات الخطيرة، حيث يقومون في ثوان بالتقاطها بعد مغامرات قد تفسد كل شيء، كل شيء.
اسمع: نسم علينا الهوا - الست فيروز
إذا كانت بغيتك في مكان قريب من البحر، فإن الوصول إليه في اسكندرية أمر في غاية السهولة، اسطول من التويوتا على جانبي الكورنيش الواسع تنقلك من أقصى المدينة إلى أقصاها بأسعار تبدأ من 25 قرش للنفر. “بحري يا اسطى؟”.. قلعة قايتباى، أكاد لا أصدق أني لم أزورها في حياتي رغم زيارتي للاسكندرية عدد غير قليل من المرات معظمها مع الأسرة. في الطريق لبوابة القلعة طريق واسع يبدأ من أمام جامع أبي العباس المرسي حيث مرسى لمراكب الصيد، مروراً بترسانة صنع القوارب واليخوت، دخولاً إلى رحاب القلعة نفسها، المكان رائع بشكل
كسائح مثالي، دلفت أولاً داخل متحف الأحياء المائية (أكواريوم)، الذي كان أقل كثيراً مما توقعت، من حيث تجهيزاته أو عدد الأحياء البحرية داخله، صغير ومتواضع نوعاً، لكني قد شاهدت نوعيات من الأسماك أراها فعلاً للمرة الأولى رؤى العين.
في القلعة لم أجد ما يدلني على أى شيء في أى اتجاه أكثر من حدسي وفضولي، فلا خرائط موضِحة، ولا علامات إرشادية، ولا حتى سلال مهملات. ما علينا، صدمت لهذا الصخب الذي كان مصدره أفواج الرحلات المدرسية من الاسكندرية وخارجها (انزل من ع المدفع ياد)، الرحلات التي لا تخرج عن كونها فسحات مطوّرة، وسلوك لجيل ساخط لا يخلو من همجية تزيد عن مجرد كونهم غير راشدين. التحرش بالأجانب، تشويه المكان، وحتى عدم القدرة على المشى بنظام إلا بعد التهديد والوعيد من أولئك المدرسين البائسين
اسمع: ليه احنا كدة - علي الحجار
فوق سور القلعة المجابه للبحر، استقريت. لا مجال إلا للانبساط، لو ما انبسطتش هنا هانبسط فين تاني؟! كانت لحظات خاصة جداً، مسروقة باقتدار، ينبغي أن تسرق لحظاتك الخاصة حتى لو قطعها إسلام باتصال تليفوني حاسم “يلا يا أستاذ، مفيش وقت، لسة فيه غدا وحاجات تانية تتشاف”، تركت المكان على وعد حقيقي بالزيارة إن كان في العمر بقية.
سوّاق التاكسي العصبي الناقم على زحام الكورنيش في تلك الساعة، أخذنا سريعاً بعد تجاوزات عدة، إلى جوار كلية الطب حيث مطعم حندق الشعبي المشهور، لقاء جنيهين فقط لا غير، أخذهما عن طيب خاطر كما بدا لي. إسلام لم يأكل لدى حندق مسبقاً، سألنا، “الشارع اللي بعد الترام ع الشمال، في تاني شارع يمين، الريحة هتدلك متخافش”، شيء مشجع والله. المطعم يحتل مساحة بين العمارات، ليكوّن شارعاً مستقلاً، على جانبيه صواني السمك المقلي والمشوي والصينية، والجمبري والسبيط والأرز بالخلطة، والباذنجان المخلل، والريحة دلتنا فعلاً.
الوجبات رخيصة بالنسبة لنوعية الطعام (20 جنيه لوجبة قد تساوي ضعف تلك القيمة في القاهرة)، الخدمة جيدة وودودة، وسريعة. حسناً لقد انحدرت الآن إلى فكرة كيف أن انتهي من كل هذا الطعام دون خسائر صحية! لقد استسلمت للحقائق، هذا مستحيل، ولا داعي لمقارنة نفسي بالزميل إسلام.. “لفلي دول لو سمحت”.
الوقت يداهمني، كان بودّي زيارة المنتزة، لكن إسلام اقترح حدائق انطونيادس التي يذهب إليها كل طلبة فنون جميلة بالاسكندرية لرسم الاسكتشات ولعب الكورة! إنه مجمع للحدائق يضم حوالي 4 أو 5 حدائق منهم حديقة حيوان محلية. استخدم إسلام كارنيه الكلية للدخول بنصف السعر له ولي (ههههههه)، مكان بديع مهمل اليوم حيث أنه ملكية عامة وكدة، وكان لأحد الأثرياء اليونانيين المولع بالتماثيل قبل الثورة.
اسمع: نزلنا ع البستان - فرقة كلنا سوا
بعد تلك الجولة المرهقة الجميلة، لم يبق إلا وداع البحر، توجهنا إلى لسان على شاطيء سيدي بشر مكوّن كله من مصدات أمواج وعرة، “مستحيل، مينفعش، انت مجنون”، لكنه أصر وانا كبرت في دماغي، حسناً، جميل جداً.. مع إني أحمل هم العودة للشاطيء، لكن لا داعي الآن إلا للاستمتاع باللحظات، التي قد لا تتكرر إلا بعد وقت أتمنى ألا يطول، الشمس تغرب كعادتها، والميكروباص يأخذني إلى مثواى التقليدي في القاهرة.. “صباح الخير يا جماعة، هتاكلوا ايه النهاردة؟”
اسمع: الدنيا ريشة ف هوا - منير









