November 1, 2005

دُ و ز ا ن

Posted in مفيش ف الأغاني كدة ومش كدة at 3:54 am by عمر مصطفى

 

 

 

 

 

ليلة أمس انتابني ملل وفتور عاديين، تراب الأيام الماضية والمسافات المفروضة الممدودة، وكأنها نَـْذر. أفقت تحت الماء الفاتر أيضاً، استنجدت بكوب من الشاى الأخضر بالياسمين، وأظلمت المكان إلا من شمعة كبيرة، واتجهت.

 

عُودي يقبع وحيداً في ركن لا أجرؤ حتى على لمسه، بوسعي أن أخجل منه بعد. أين أذهب الآن وبمَ أرتوي؛ إذ أن إمكانيات الشاي بالياسمين محدودة رغم كل شيء، والعطش هنا.. في القلب.

 

شيء ما يجذب يديّ التي بدأت تعبث في مجموعة شرائط الكاسيت المركونة منذ شهور فوق جهاز الكاسيت المهجور. تذكرت تسللي خفية لمشاهدة والدي وهو يستمع إلى هذا التسجيل الذي أبحث عنه، والذي عندما لم أجده هناك، تذكرت أنه لايزال داخل الكاسيت مذ سمعته آخر مرة، ولا أتذكر تحديداً متى كان هذا.

 

Play

 

المرحوم الشيخ “محمد عمران” أحد أساتذة والدي في الفن والحياة، كنت صغيراً عندما كان يزورنا أو أشاهده في بيت أحد أصدقاء الوالد في تلك الليالي الجميلة التي كانت تجمعهم. كان “عمران” كثيراً ما يُدوّخ أبويا الذي كان يصاحبه على العود بقلة حيلة، مستنفذاً كل ما يعرف من نقلات ومقامات وحيل، ولا يجاريه.. و”الشيخ عمران” يقول أنه طربان ويطلب منه المزيد من التقاسيم بإلحاح، أبويا يضحك طبعاً، والباقون يطيرون وجداً في المكان.

 

في هذا التسجيل الخاص يجتمع “الشيخ عمران” آخر المنشدين الكبار مع الساحر عبقري الكمنجة “عبده داغر“، الذي ورثت حبه أيضاً عن الوالد..

 

لا أتوقع من أى منهما أقل من أن يطربني بشدة، لكن وبدون مبالغة، حالة التجلي الموجودة في هذا التسجيل استثنائية بشكل عجيب.

 

“داغر” يبدأ الموقعة بجزء من إحدى مؤلفاته من قالب اللونجا، التشيللو متربص والرق يتهادى كدقات قلب فـَرِح، ولا يلبث أن يبدأ عم “عبده” استفزازه للشيخ بتقاسيم من نفس المقام، حتى يهدأ تماماً، مفسحاً الطريق لعمران:

 

يا مَن إليه بعزّه أتشفعُ

 

وبـِذلتي أعلو إليه وأخضعُ

 

يا مُنقذ الغـَرقى

 

يا من عبده يدعوه

 

في ظـُلمِ الخطوبِ فيسمعُ

 

يا عُدّتي في شدتي

 

يا نجدتي في وَحْشتي

 

ولغيره لا أترع

 

أأخاف مَنعَ الناسُ

 

فضلَ عطائِهم عنـّي

 

ومن يعطي سواك ويمنعُ

 

“عمران” كمنشد (مفتري) لا يكُر الموضوع كدة وخلِصْنا، لأ طبعاً.. وميفتروش على اللي خلفونا ليه. “الشيخ عمران” وكأن في صوته كمنجات وتشيللوهات وباصات وأعواد وفرق من بابها. هو و”داغر” يدوران في المدار ذاته، هذا يسلف مقاماً لهذا، وهذا ينشئ إيقاعاً لذاك. يقسّم “عمران” الكلمات والحروف تقسيماً، يعلو ويهبط من القرار إلى الجواب إلى جواب الجواب، وكأنه في نزهة، بنفس الزَخـَم ونفس الحِس والقدرة. و”داغر” يطير من مقام لآخر كفراشة، من الحُجاز للصَبَا للبيّاتي، حالة وجد وتطريب وتجلي غير ممكنة وغير مفهومة، لا تخرج إلا من اتنين بحجم “عمران” و”داغر”..

 

مع كل هذه المناجاة وهذا التذلل والتقرّب والقدوم، ينعقد حاجبيّ وتغفو عينيّ وأسرح، أصفو وأنجَلي وتقشعر روحي مع كل آهة وعُربة وتهنين.. (يخرب بيت كدة)

 

الناس حواليهم بتستعطفهم بجد: (كفاية، حرام عليكو، ده كلام طيب؟..)، ودول ولا على بالهم، وكأنهم في مُلك تاني..

 

وفي الوقت الذي أنتهِي فيه، ينتهي وجه الشريط، وأتبدل أنا وجهاً غير الذي كنت. أخرِج عودي الفقير من عزلته و(أدوْزِن)، ويفتح الله عليّ.

 

 

بالشفا:

 

“يا من إليه”: (1) (2)

8 Comments »

  1. Omar said,

    ههههههه.. غادة، انتي بس اللي حساسة بزيادة بخصوص الحاجات الجميلة، انت سمّيع جامد يا عم، احنا مش قدك

  2. Ghada said,

    بالشفا ايه انت يابني عايز تموتنا، حرام عليك ايه ده!!! كل ده كان فايتني كده؟ لا لا حاجه ما وراء الوصف، وصفها عيب ف حقها
    بطني وجعتني

    انت ليه مصمم تكمل الحالات الناقصة

  3. ممكن تزور مدونتى

  4. Doaa Samir said,

    مع إني مش بافهم في الموسيقى فهمك ولا حتى ربعه يا عمر… ومع إني مش باعرف الجواب ولا المقام ولا اللونجا ولا أي مسمى من المسميات اللي قلتها، ومعنديش غير أذن بتحاول تسمع… لكنني فهمت وحسيت..د

    وصفك هايل يا عمر وإنت بتصور حالة الانسجام والشد والجذب اللي كانت بين الشيخ وعبده.. لأ وكمان تنتقل للسميعة “بالراحة علينا يا مولانا” وبعدين للشيخ.. “وقول يا أحمد أنا عايز أسمعك”.. عارف؟ أنا قرأت الأول طبعاً.. بس سيبت نفسي تستمتع بما كتبته حتى أفسح المكان والروح والقلب للاستمتاع التاني لما أسمع… وحصل ومازال يحدث
    الله يكرمك

  5. Omar said,

    أحمد: أزورها بالفعل يا ابوحميد، ولو أني لست معلقاً نشطاً، لكن لديك بالتأكيد ما يستحق القراءة والمتابعة. أسعدني بمعرفة مدونتك أحمد البورسعيدي.. خطوة عزيزة

    دعاء: عارفة أحسن شغلانة ليكي ايه؟ تحكي حواديت للعيال الصغيرة، أعتقد إنك هتكوني ناجحة جداً في ده :)) لإن أنا شخصياً باستعيل قوي وانا باسمعك شخصياً أو باقراكي، (الفرحة) البسيطة دي نعمة. ويبارك فيكي يا ستي

  6. Zeryab said,

    انا قريت التدوينة دى اول ما كتبتها ونزلت الراجل المفترى ده..وكنت عاوز اقولك تسلم بس كسلت

  7. Omar said,

    عاش النشاط يا سيدي–>

  8. […] بعد المرة الأولى التي نشرت فيها سهرة خاصة لصاحب الصوت العبقري المرحوم الشيخ “محمد عمران”، وعازف الكمان الاستثنائي “عبده داغر”، شعرت بسعادة غامرة باكتشاف أن الكثيرين يشاركونني تلك الحفاوة وهذا الولع بالرجلين. […]


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: