March 9, 2007

احتيالٌ على حال

Posted in حياتي at 4:01 pm by عمر مصطفى

 

لن تكن الفرصة مواتية أكثر من الآن.. الليل يلف الكون، والبيت هادئ إلا من أنفاس نائمة وأنت تحايل روحك بعد نوم نهاري لم يكن محسوباً له حساب. نعم، لم لا.. أعرف أنك لا تفعل هذا كثيراً ولم تتعود عليه، ولكن هذا فقط بسبب خيبتك القوية مع أنك في أشد الاحتياج. تزداد الفكرة وجاهة وتشرع تنفذها بكل حماس وامتنان مسبق. تغلق الشباك لمزيد من الدفء، تفتح صنبور الماء الدافئ على آخره، تمهيداً لاستعمال هذا المغطس في شيء آخر غير غسل السجاجيد. تحضر شمعاتك العزيزات القديمات اللائي يعانين من هجران لا يستحقنه، نعم ثلاث شمعات تكفي جداً ولتكن شمعة اللافندر العزيزة إحداهن.

 

اطفئ كل تلك المصابيح الكهربية البجحة الحمقاء في كل مكان، عودين من البخور لمزيد من العبق حتى يمتلئ المغطس، عود باللافندر والآخر بالعسل. مممم الصورة في اكتمال والحماس في ازدياد، نعم نعم بعض الزيوت العطرية على الماء الدافئ مهمة بشدة، ماذا ينقص أيضاً، آآه الموسيقى، تلك الموسيقى الهادئة بأصوات الطبيعة لهي مثالية حقاً، لم تعرف متى تستخدمها بما يليق إلا الآن.. لنختر ألبوميّ البحر والجبل مثلاً، عبئهما على مشغل الموسيقى الرقمي واخرج السماعات الخارجية القديمة، بينما تغلي المياه التي ستصبها على أوراق الشاي الأخضر بالياسمين..

………………………………………

 

لقد يذكرك هذا بعبثك الطفولي عندما كنت تجلس هنا بالساعات غير مكترثاً لنداء أحدهم، حتى تكتشف أن أصابعك قد باشت من طول غمرها بالمياه. أليس للرجال نصيب في بعض العبث أيضاً، وربي إنهم لأحق به، لأكثر احتياجاً له. الراحة الراحة، رغم ارتيابك اللحظي من غرابة الجو نسبياً، إلا أنها الراحة، إنها هي من دون شك..

 

تكتشف – ويا للغرابة – أن المتعة حلال في هذا العالم، وأنها معيار مدهش للشعور بحياة.. فيم كنا نضيع وقتنا إذاً تاركين كل هذا الجمال السهل المتاح. يا للبؤس الذي تغامر بالبعد عنه، لا تتعب نفسك بالتفكير في أنك قد أسرفت في استخدام المياه، فإن أولئك الحمقى يهدرونه ليل نهار برشه بلا حساب في الشوارع بلا فائدة أو وازع من ضمير، وتظل الطراوة مشروعاً مؤجلاً، بينما الناس تجر همومها في كل شارع، وتراهم سكارى وما هم بسكارى.. إنه حقك في العبث يا عبيط.. استرخ استرخ

 

رشفة من الشاي بالياسمين ستتطلب قليلاً من الحركة تنفعل لها المياه الساكنة في رقة شديدة وموحية، تابع باستمتاع هذا البخار الطالع للسقف حاملاً همومك وتعبك وأسئلتك الساذجة، وراقب انعكاس شمعاتك الثلاث على صفحة الماء الهادئ. املأوا الدنيا شموعاً ومياهاً دافئة أيها الحمقى المجانين..

 

لا يوجد في الدنيا الآن من يقصي تلك الموسيقى المنسابة عن عزمها الأكيد في تدليلك وتدليكك وإرخاء جفونك في نشوة. هههههه لهي حلوة هذه اللعبة، تتقمص يداك دور أفراس النهر صاعدة هابطة فوق صفحة الماء في هدوء لا مبال بشيء، اللهم إلا الصعود والهبوط نفسه، لهي حلوة هذه اللعبة. لا تجعل التناقص التدريجي البطئ في درجة دفء الماء يزعجك، فللدفء نهاية كما أن للموت مصير، كل ما عليك الآن فقط هو تدليل هذا الجسد الفاني الذي سيضمه تراب في يومٍ قد يكون قريب، فهذه الزيارة القصيرة من روحك له تستحق كل حفاوة وترحيب، لعلك لا تنسى قريباً.

 

%d bloggers like this: